حبيب الله الهاشمي الخوئي
317
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
صورة المصوع بل وكلّ فعل لا يصدر إلَّا بعد تصوّر وصفه وكيفيته أولا . وهذه التصورات تارة تحصل عن أمثلة للمصنوع ومقادير خارجيّة له يشاهدها الصّانع ويحذو حذوها كما يفعل التلميذ في الصّباغة شيئا قد مثل له استاده هيئته وصورته فيفعل نظيره . وتارة بمحض الالهام والإفاضة على قلبه كما يفاض على أذهان كثير من الأذكياء والمصوّرين صورة شكل لم يسبق إليه غيره ، فيصوّره في قلبه ويبرز صورته في الخارج على طبق ما أفيض على قلبه ، وكيفيّة صنع الله سبحانه منزّهة عن كونها على أحد الوجهين . اما الوجه الأوّل فلما مرّ في شرح الفصل السّابق من أنه سبحانه قبل القبل بلا قبل فليس قبله خالق مثل مثالا فاتّبعه سبحانه ، ولا قدر مقدارا فقطع على قدره واحتذى عليه تعالى شأنه . وأما الوجه الثاني فلأنّ الصورة المفاضة والمثال الملهم مستندان إلى المفيض والملهم مستفادان من الغير فعلان له ، وليس قبله تعالى غير حتّى يستفيد ويستفيض منه مضافا إلى استلزامه الافتقار تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ، هذا . واما الثاني أعني بيان جواز الاستدلال عليه تعالى وإمكان معرفته بآيات القدرة وأدلة العظمة فهو قوله ( وأرانا من ملكوت قدرته ) أي من ملكها كما قال الله : * ( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) * . أي بقدرته ونسبته إلى القدرة لكون القدرة مبدء الوجود كلَّه فهي مبدء المالكيّة ( وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ) أي عجائب ما أفصحت عنه الأفعال والأحكام الصادرة عن وجه الحكمة والمصلحة على أحسن ترتيب ونظام ، وتمام إتقان وانتظام . ( واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوّته ) الموجود في النسخ التي رأيناها يقيمها بضمير التأنيث فلا بدّ من رجوعه إلى الخلق باعتبار ملاحظة المعنى ، إذ المراد المخلوقات بجميعها ، ويحتمل رجوعه إلى الحاجة على تكلَّف ،